حرب واحدة وستة خاسرين

أمير طاهري

أمير طاهري

نشر في: آخر تحديث:

ربما نشهد اليوم صعود جيب صغير حبيس في طرف قصي من منطقة القوقاز باعتبارها شعلة اللهب التي قد تهدد أمن الكثير من الدول، منها روسيا وتركيا وإيران، علاوة على العاملين الأساسيين المعنيين به: أرمينيا وأذربيجان.

تغطي المنطقة المعروفة بأسماء متنوعة مثل هاي قره باغ وناغورنو قره باغ في الروسية، وأرتساخ في الأرمنية، و قره باغ أوليا في الفارسية، مساحة تقدر بـ4400 كيلومتر مربع، ما يقل عن نصف مساحة لبنان، في الوقت الذي يبلغ عدد سكانها 150000 نسمة ينتمي أكثر من 90 في المائة منهم عرقياً إلى الأرمن.

ومع ذلك، عام 1924، عندما كان جوزيف ستالين مسؤولاً عن شؤون القوميات داخل الاتحاد السوفياتي الذي كان قد جرى تأسيسه حديثاً حينها، وعمل على تقسيم الإمبراطورية القيصرية المنهارة إلى جمهوريات، قرر ضم هاي قره باغ إلى جمهورية أذربيجان المتمتعة بالحكم الذاتي.

ولو أن ستالين اعتمد في قراره على طبيعة السكان، فإن هذا الجيب كان ينبغي إلحاقه بأرمينيا، جمهورية أخرى وضعها على الخريطة.

ولم يتوقف تلاعب ستالين بالحدود عند هذا الحد، فقد وضع جزءاً من أذربيجان الجديدة التي ابتدعها، يعرف باسم نخجوان على مسافة عن باقي أرجاء الجمهورية مع وجود أرمينيا محاصرة في الوسط. وتمادى ستالين أكثر بتقسيمه جيباً تنتمي غالبية سكانه إلى الأكراد يحمل اسم لاتشين ما بين أرمينيا وأذربيجان، مع ضمه تالش وهي منطقة ساحلية غير آذارية إلى أذربيجان. وسعت استراتيجية «فرّق تسد» التي انتهجها ستالين إلى استمرار اعتماد «الدول الأسيرة» الخارجة من عباءة الإمبراطورية البولشيفية على «روسيا الأم» لضمان السلام والأمن.

وعندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، كان من المحتم أن يواجه العبث الجغرافي الذي صنعه ستالين تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة. وسعياً وراء استغلال الفرصة السانحة، أقدم السكان الأرمن لهاي قره باغ على طرد أبناء الأقلية الآذارية لما أصبح بعد ذلك نموذجاً للتطهير العرقي في مناطق أخرى.

وبدعم من أرمينيا، حققت الجيوب التي يسودها الأرمن سلسلة من الانتصارات العسكرية، ونجحت في بناء جمهورية لها تنعم بالحكم الذاتي. ويعود هذا الأمر لأسباب، منها أنه على مدار التاريخ السوفياتي، لعب عرق الأرمن، رغم كونهم أقل عدداً، دوراً أكبر بكثير عن الآذاريين، العرق السائد بين سكان أذربيجان.

ودائماً ما ضمت القيادة المركزية السوفياتية أرمنياً على المستويات السياسية والعسكرية. ووصل بعض الأرمن، مثل أنستاس ميكويان، إلى أعلى المستويات. وحتى اليوم، يتمتع الأرمن الذين قرروا البقاء داخل روسيا بتمثيل رفيع المستوى في هرم القيادة في موسكو، ومن بينهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، واسمه الأرمني الحقيقي هو سيرغي كالانتاريان.

على النقيض، نجد أن الآذاريين الذين عاشوا في روسيا قرروا العودة إلى أرضهم بشكل جماعي، وسرعان ما حصدوا ثروة جديدة بفضل عقدين من ازدهار إنتاج النفط.

وعلى امتداد جزء كبير من تاريخهم، لطالما تطلع الأرمن باتجاه روسيا، دولة تدين مثلهم بالمسيحية، باعتبارها الحامي لهم في مواجهة الدول المجاورة لهم، خاصة الإمبراطورية العثمانية. وكان ذلك واحداً من الأسباب وراء موافقة أرمينيا بعد نيلها استقلالها بفترة قصيرة على استضافة قاعدة عسكرية روسية كبرى ضمت في ذروتها 20000 جندي روسي.

على النقيض، لعب الكثير من القادة في أذربيجان ببطاقة العداء لروسيا من خلال التعبير عن مظالم تاريخية ضد «المحتلين».

ورغبت أذربيجان المستقلة في الانضمام إلى «العالم الغربي»، وعمدت إلى طرح نفسها باعتبارها حليف الولايات المتحدة بالمنطقة الأكثر جدارة بالثقة. ومن أجل تأكيد هذه النقطة، بنت أذربيجان علاقات وثيقة مع إسرائيل لدرجة بلغت حد التعاون العسكري الوثيق عن محور باكو - تل أبيب.

وفي ظل الجولة الدائرة حالياً من القتال، تتمتع أذربيجان بتفوق واضح في التسليح؛ الأمر الذي يعود الفضل الأكبر وراءه إلى الدعم الإسرائيلي. ومع ذلك، تبدو إسرائيل حريصة على عدم خسارة حليفتها الإقليمية الأخرى، أرمينيا. ومكّن هذا الوضع الغامض تركيا من طرح نفسها باعتبارها الداعم الرئيسي لأذربيجان مع تصوير روسيا وجمهورية إيران في الوقت ذاته باعتبارهما حليفين لأرمينيا.

من جانبها، تبدو القيادة الخمينية في طهران متحيرة إزاء أي نهج يتعين عليها اتخاذه. وجدير بالذكر، أن أعمال القتال بين أذربيجان وأرمينيا تخلق تهديداً أمنياً لإيران ذاتها.

خلال الأسبوع الماضي، سقطت مئات القذائف التي أطلقها الجانبان داخل مناطق حدودية مع إيران. ومن الممكن أن يطلق القتال موجات ضخمة من اللاجئين الذين قد ينظرون إلى الأراضي الإيرانية كملاذ آمن أمامهم. علاوة على ذلك، تواجه طهران ضغوطاً من شخصيات قوية داخل الخدمات العسكرية والأرمينية ممن ينظرون إلى أذربيجان باعتبارها دولة ذات قربى. في الوقت ذاته، يبدو «المرشد الأعلى» علي خامنئي حريصاً على عدم استثارة غضب روسيا التي ينظر إليها اليوم باعتبارها الحامي الرئيسي له في مواجهة «الشيطان الأعظم»، الولايات المتحدة.

من بين المسائل الأخرى التي تثير قلق خامنئي، الدفع بمئات المرتزقة السوريين في صفوف القوات الأذربيجانية عبر تركيا. وليس لدى هؤلاء المقاتلين خبرة تذكر في القتال عبر الجبال الشاهقة بمنطقة القوقاز، خاصة في ظل طقس الشتاء القاسي. وهذه القوات تضم مسلحين من جماعة «الإخوان»؛ الأمر الذي ربما يمكّن تركيا من بناء «فيلق أجنبي» تابع لها على غرار «حزب الله»؛ مما يخلق تحدياً أمام إيران في مناطق أخرى، منها العراق ولبنان.

من ناحيته، حاول إردوغان تبرير دعمه لأذربيجان من خلال الادعاء بأن مقاتلي حزب العالم الكردستاني، الذين من المفترض أنهم يتحركون من داخل السليمانية في العراق عبر إيران، انضموا إلى القوات الأرمنية في قره باغ. كما أحيا إردوغان من جديد فكرة «العرق التركي» التي بدأ اللعب بها في وقت قريب فقط لدعم ادعائه بأن الإسلامية تشكل أساس الهوية التركية.

وتجلت أزمة الهوية التي يواجهها إردوغان عندما جرى عقد إحصاء وطني منذ عامين، وجرى في إطاره توجيه سؤال للمواطنين بتحديد جذورهم العرقية. وفي إجاباتهم، لم تشر سوى أقلية من المواطنين إلى أنفسهم باعتبارهم أتراكاً؛ ما اضطر الحكومة إلى تعديل نتيجة الإحصاء. وكشف الإحصاء عن أن غالبية المواطنين لا يزالون مرتبطين بالهويات التي كانوا ينتمون إليها في ظل الإمبراطورية العثمانية، مثل الداغستاني، والشيشاني، والعلوي، والكردي، والعربي، والبيزنطي، والبلغاري، بل وحتى اليوناني والأرمني.

ودفعت النتيجة الصادمة إردوغان إلى محاولة ممارسة غش تاريخي في قضية الهوية عبر الادعاء بأن الأتراك أحفاد الحيثيين الذين يعود تاريخهم إلى 3000 عام ماضية.

أما رد فعل طهران تجاه الأزمة فاتسم بالحيرة والارتباك، وامتنعت عن اتخاذ موقف واضح في الوقت الذي التزم خامنئي الصمت حتى هذه اللحظة. وبعد اندلاع عدد من المظاهرات الصغيرة في تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية، أصدر أربعة من الملالي من الآذاريين يعتبرون ممثلين لخامنئي، بياناً مشتركاً طالبوا فيه بإعادة هاي قره باغ إلى جمهورية أذربيجان. وأطلق مستشار خامنئي للسياسة الخارجية، علي أكبر ولايتي، تصريحاً مشابهاً، لكن في صياغة حذرة؛ خشية إثارة غضب روسيا. ومع ذلك، حاولت وزارة الخارجية من جانبها تجنب تناول القضية، بل وحتى لم تقدم على استدعاء سفير أرمينيا.

من ناحية أخرى، من الممكن أن يثير الصراع في قره باغ ردود فعل خارج نطاق السيطرة داخل إيران، حيث ينتشر 20 مليوناً من الناطقين بالآذارية بمختلف أرجاء البلاد وينظرون إلى جمهورية أذربيجان باعتبارها جزءاً من إيران الكبرى.

جدير بالذكر في هذا الصدد، أن جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان، علاوة على جورجيا، جرى التنازل عنها من جانب الإمبراطورية العثمانية لإيران بموجب معاهدتي أماسية (1550) وقصر شيرين (1639). ومقابل ذلك، حصل العثمانيون على بلاد الرافدين، العراق حالياً بجانب أبخازيا وأجاريا والجزء الأرمني من الأناضول.

وحال فوز أذربيجان، فإن تحالفاً مؤلَّفاً من تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة سينتهي به الحال في المعسكر الفائز، بينما سيجري النظر إلى إيران باعتبارها غير مبالية بتطلعات أذربيجان التي من المفترض أنها ثالث أكبر دولة شيعية بعد إيران والعراق.

أما إذا انتصرت أرمينيا، فإن الفائزين سيتضمنون روسيا وإسرائيل، بينما ستبقى إيران مرة أخرى معزولة. جدير بالذكر، أنه على مدار الأعوام الـ30 الماضية، شكّلت إيران شريان حياة لأرمينيا الحبيسة، حيث جرى تمرير من خلال أراضيها التجارة الخارجية لأرمينيا وحصلت على احتياجاتها من الكهرباء.

في الواقع، هذه الحرب لن تفرز سوى خاسرين، ذلك أن أذربيجان من غير المحتمل أن تنجح في استعادة كامل السيطرة على الجيب المتنازع عليه. أما أرمينيا، فقد خسرت بالفعل بعضاً من أراضيها وتواجه موجة من المهاجرين المتدفقين على العاصمة.

أما تركيا، فإنها قد تفوز في جولة دعائية باعتبارها حامية الآذاريين، لكنها ستنجر بذلك إلى حرب خامسة، في وقت يعاني اقتصادها بالفعل ضغوطاً شديدة، وبالتالي ربما لا تتمكن من دعم احتياجات هذه الحرب. فيما يخص إسرائيل، فإنها ربما تجد نفسها نهاية الأمر مضطرة إلى اختيار جانب وخسارة الآخر. وستخسر روسيا برؤيتها المتطرفين يبنون لأنفسهم معقلاً قريباً من أراضيها مع اضطرارها في الوقت ذاته إلى التخلي عن ادعائها بأنها صانعة سلام بين الجمهوريات السوفياتية السابقة.

أيضاً، ستكون طهران خاسرة على المستويين الجيوسياسي والآيديولوجي. ورغم ادعاء خامنئي بأنه المرشد الأعلى للمسلمين بمختلف أرجاء العالم، فإنه مثلما نعاين الآن لا يملك القدرة على التأثير حتى في أحداث تجري على أعتاب بلاده.

نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.